محمد بن المنور الميهني

19

أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد

بصفة ، وجعل لكل قوم لسانا ولغة مباينة للأخرى ، أصلها واحد ، وفروعها وشعبها غير متناهية ، حتى رحبت أرجاء الأرض وأقل ظهرها من العالمين من لا يحصون كثرة ، ليتهيأ بذلك الدليل الدال والبرهان الباهر على كمال قدرة الخالق . وفي كل شئ له آية * تدل على أنه واحد واعتبر الأنبياء والرسل خيرة أبناء آدم الصفى . ولما كانت تلك الطائفة هي الواسطة بين المعبود والعباد وبين الخالق والمخلوقات ، فقد جعل نفوسهم في كمال التجرد وعلى درجة كبيرة من الترفع ، ليكونوا بالصورة مع الخلق ؛ وبالصفة مع الحق جل جلاله ، فيقتبسوا ما هو من حقيقة الحق ، وينظروا بخاصية نور النبوة ، ويجعلوا من واجبهم إرشاد الناس وهدايتهم بذلك النور ، ويلزموا أنفسهم بتحذيرهم من الغى والضلالة ، حتى يوصلوهم من غمرات الجهل وتيه الحيرة إلى ساحل النجاة وشاطئ الرشد ، ويتحولوا من درجة الحيوانية إلى حد النطق والصفات الإنسانية . وجعل بعد طبقة الأنبياء الأولياء أصحاب الكرامات وأرباب المناجاة والمقامات ، وهم من حيث المعنى قريبون من الرسل والأنبياء . والفرق بين تلك الطائفة وطبقة الأنبياء ليس أكثر من أن النبي يستطيع في حال واحد أن يكون مع الحق بالصفة ، ومع الخلق بالصورة ، أما الولي فيكون انشغاله بالحق مانعا له عن الانشغال بالخلق . ومن ناحية أخرى أن النبي مأمور بالدعوة والإرشاد ، أما الولي فهو معافى من ذلك كله ؛ فقد أوجبه بكمال كرمه وتناهي حكمته ، لأنه يتعذر في كل وقت وقرن بعث الرسل وتحقيق الرسالات ، ولكن وجود أصحاب الكرامات وأرباب المقامات يمكن أن يكون ميسورا في كل وقت ، حتى إذا ما وقف الخلق على أحوالهم وأقوالهم